تجانس الطيور المسالمة
موفق السناطي
بعد مضي مايقارب الثلاث سنوات على آخر سفرة الى العراق بعد سقوط النظام السابق، وفي الطريق كانت الافكار تتردد في رأسي... ما هو الحال الآن بعد تزايد نشاط التيارات الدينية والتسلط على دفة الحكم وتحول الميلشيات التابعة لبعض الأحزاب الى أشبه ما تكون بعصابات منظمة لزرع الرعب في قلوب الأمنين من أبناء هذا الشعب؟
كنت أرسم في مخيلتي صوراً لمجريات الأمور وأحاول تحليلها لأصل الى تصورات عن المستقبل الذي ينتظر عراقنا الحبيب... لم تكن الرحلة خالية من المخاطر في الطريق من ديار بكر الى نقطة الحدود في ابراهيم الخليل... أن حياتك رهينة بأيدي السواق الذين يتسابقون مع الموت بين الحافلات المتراصة على مسافة ستين كيلومتر من منطقة الجزيرة الى الحدود التركية-العراقية. بعد اجراء التدقيق والتفتيش عبرنا النقطة لتبدأ رحلة اخرى من المخاوف بين الطرق المؤدية الى المدن العراقية مروراً بدهوك الآمنة نسبياً... فلا تعرف في أي لحظة سوف تستوقف من قبل الجماعات الأرهابية، اذا كان السائق على علاقة بالبعض منهم لتكون سلعة للمساومة او رقبة لتـُجز. وصلنا الى اربيل عاصمة اقليم كردستان، المدينة هادئة بعض الشيء والحركة دائبة فيها للتهيؤ للأستفتاء على الدستور... لقد حصل الاكراد على إمتيازات كثيرة ضمن العراق، ولكن صراع السباق على السلطة لا زال قائماً بعض الشيء. ان تسلط الميلشيات على زمام الامور خلق اكثر من دولة داخل الدولة. التقينا الكثير من القادة والمسؤولين وتحاورنا في مجمل الامور.
أنهينا عملنا في اربيل واكملنا استعداداتنا لإنجاز مهمة اخرى في السليمانية. طلبنا من السائق ان يبتعد عن مدينة كركوك قدر الامكان لكونها محسوبة على المناطق الساخنة والخطرة... كان يسوق بسرعة قصوى والطرق خالية في الساعات الاولى من الصباح، لاحت لنا من بعيد نار مشتعلة اعتقدنا بادئ الامر انها عمل ارهابي في الطريق، اقتربنا بعض الشيء فأتضح انها النار الأزلية لمنطقة بابا كركر النفطية في كركوك... استفسرنا من السائق عن سبب سلوكه لهذا الطريق، فأجاب بهدوء انها اقصر. سكتنا على مضض. توقف في وسط المدينة ليحصل على بعض البانزين من محطات البنزين المنتشرة على الأرصفة... انها عبارة عن صفائح بلاستيكية مملوءة بالبانزين مكدسة على طول الطريق... انها قنابل موقوتة يعتاش منها البشر، حشرنا انفسنا في السيارة لاتمام الرحلة. اكملنا مهمتنا واقفلنا راجعين الى اربيل سالكين طريقاً اخر مروراً بسد دوكان ثم كويسنجق، بعد ان عبرنا جسر السد توقفنا على قمة جبل عال قاصدين بعض الراحة ولنلقي نظرة على الجانب الآخر المؤدي الى كويسجنق كان المنظر رائعاً، فعلى جانبي الطريق تعلو الاشجار الباسقة كنا في ساعة الغروب والشمس تحاول الاختفاء وراء الجبال... كان الصمت مطبقاً على المكان إلا من حفيف الاشجار، انه شيء لا يصدق، انه وقت ايواء العصافير الى اعشاشها، سكون غريب خال من أية زقزقة، انه صمت كصمت الموت... في طريق عودتنا لم نلاحظ أي ارنب او ماعز بري، المفروض انها تتكاثر في هذه الامكنة، حتى الزواحف اختفت. الشيء الغريب اننا كنا نقترب من الكلاب السائبة فكانت تهرب منا، أليس هذا غريباً؟ ماذا حلّ بالعصافير؟ هل هربت هي الأخرى أم انها تعود الى أعشاشها بصمت كي لا تثير شبهات القتلة؟ تركنا المكان والحيرة تملؤنا. عدنا الى اربيل ثم دهوك مروراً بألقوش لقضاء بعض المهام. غادرنا الاراضي العراقية الى ديار بكر ثم الى اسطنبول. قررنا أن ناخذ قسطاً من الراحة في باريس، بعد اسبوعين من الحركة الدائبة المتعبة. حطت الطائرة في مطار هيثرو في لندن الساعة السابعة مساءاً، علينا ان نستقل القطار السريع الى باريس. بعد جولة في ساحة البيكادلي الشهيرة اتممنا الطريق الى محطة (واترلو). كان آخر قطار في ذلك اليوم قد غادر في الساعة السابعة والنصف، انها الثانية عشر منتصف الليل.. اول قطار الى باريس كان سيغادر المحطة في الساعة الخامسة والنصف صباحاً. قضينا ليلة باردة قارصة على رصيف المحطة بعد ان عجزنا عن الحصول على غرفة في الفندق الوحيد القريب من المحطة. وصل القطار الى باريس الساعة التاسعة والنصف مع فارق الوقت. لا مجال لإضاعة الوقت، عند الوصول التقينا ببعض الشخصيات السياسية المُقيمة في باريس، وقمنا بزيارة بعض المعالم المهمة في باريس، برج إيفل، الشانزليزيه، معهد الدراسات العربية ثم عدنا لنخلد الى الراحة من شدة التعب والنعاس.
في صبيحة اليوم الثاني قصدنا كنيسة القلب الأقدس الشهيرة بوجود الفنانين التشكيلين حولها من كل جانب. زرنا الكنيسة وتجولنا حواليها حيث انتشر الفنانون من كل انحاء العالم، وفيها الكثير من المقاهي والمشارب التي يرتادها السواح. اخذنا قسطاً من الراحة في مكان استراحة الفنان العالمي بيكاسو قبل شهرته. شربنا اقداح البيرة وغادرنا المنطقة الى (بيكال) المدينة الحالمة وطاحونتها الحمراء (المولان روج) التي اصبحت رمزاً من رموز فرنسا الفنية وأخيراً اتجهنا الى الحي اللاتيني الاكثر شهرة بكنيسة الـ (نوتردام) الرائعة وقصة الاحدب مع عشيقته (ازميرالدا) حيث تزاحم الآلاف من السواح للتعرف على تاريخ فرنسا القديم الذي يجمع بين مجال العمران وثقافة الامبراطورية العريقة.
في البهو الخارجي لفت انتباهي منظر غير مألوف. تجمهر العشرات من الناس حول رجل في الجانب الايسر من مدخل الكنيسة، علّق على كتفه حقيبة سوداء، انه يعتاش من مهنة غريبة حيث يضع قطعة خبز صغيرة بين اصابع الزوار فتهجم عليها العصافير بالمئات لتقتات منها، انه منظر يأخذ الالباب... إقتربت منه وطلبت ان يضع قطعة من الخبز بين اصابعي وما ان رفعت يدي الى الاعلى حتى هجمت عليها العصافير بشكل عفوي لتقتات من هذا الخبز دون خوف من الاف البشر الذين يعجّ بهم المكان وأعدتُ الكرّة ثانية محاولاً الربط بين هذا المنظر والمنظر في العراق والصمت الرهيب وخلوه من زقزقة العصافير والمعروف ان العصافير لا تملك مُخاً كافياً لهذا التمييز فكيف لها ان تتجانس مع المجتمعات الامنة المستقرة وتميز بينها وبين المجتمعات اللاهبة حيث أرتأت أن تختفي من المشهد الطبيعي للحياة... انه الارهاب يطال حتى العصافير المسالمة! انه مشهد يستحق التوقف والدهشة. رجعنا والالم يأكلني لما حدث لشعبي شعب العراق، كيف يعيش هذه الاجواء التي جعلت حتى الطيور والعصافير تختفي من الحدائق والبساتين؟ ام هل يا ترى ان الإرهاب طوّعها!؟ اني انتظر حتى تعود زقزقتها لتضيف جمالاً للطبيعة والامان والسلام مرة اخرى.