How to Contact us       

Back to Diocese News

المطر... و الأذاعة... و أنا

 

في هذا الموسم وفي هذه السنة تحديداً غمرتنا الطبيعة بسيل لا يستهان به من الأمطار الغزيرة...والتي أستبشر بها خيراً لندرتها في مدينة سان دييغو بالذات. ولكن للمطر في بغداد الحبيبة معي حكاية...اذ لا أكادُ لحد الان ...أسمعُ نـقرات المطر على زجاج شباكي...حتى تعود بي الذاكرة...وتتجسد أمامي صورة ذلك اليوم لا أظنُ انني سأنساه أبداً.                           

كان ذلك في بداية الستينات...وفي عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم...كانت الأذاعة في ذلك الوقت تفتقر الى قسم تحرير الاخبار...او استلامها عبر الاجهزة الالكترونية كما هو الحال الان في كل انحاء العالم...لان هذا القسم كان يحتاج الى أجهزة ومعدات والى قاعات واسعة...اضف الى ذلك كادراً كفوءاً ومهيئاً للقيام بمثل هذا العمل الاعلامي الدقيق والمهم...اذ كما تعلمون ان الاخبار هي عصب وسائل الاعلام كافة...من صحف ومجلات...واذاعات وفضائيات...واهميتها هذه الايام تزداد ونحن نسمع من هذه الوسائل عن بلورة الوضع في الشرق الاوسط...والتغييرات التي تطرأ على كل بفاع العالم...والناس في هذه المعمورة يترقبون كل ذلك باللجوء الى متابعة الاخبار اولَ بأول منتظرين ان تعم ينابيع الأمل والحرية والحياة والأمان في كل البلدان وفي اسرع وقت.                                                                                    

كانت "دار الاذاعة والتلفزيون" كما كانت تسمى في ذلك الحين...لا تملك سوى بناية صغيرة في الصالحية قرب الجسر الذي يربطها بشارع الرشيد "حافظ القاضي"...وكان الكادر العامل فيها لا يتجاوز الــ300 من موظفين ومسؤولين وعمال.                                              

وكان التلفزيون عبارة عن "بنكة" كما يسميها العامة قد بدا بثهُ حديثاً في استديو واحد فقط للأخبار والبرامج والمنوعات...وبالأسود والأبيض.                                                      

كانت نشرة الأخبار تُهىء وتحرر في وكالة الأنباء العراقية...والتي كانت تبعد عن مبنى الأذاعة والتلفزيون قرابة ست الى سبع دقائق مشياً على الاقدام...وكان المراسلون يوصلون لنا الاخبار قبل موعدها بدقائق لا بل قد تصل احياناً مع رنين دقات ساعة الاذاعة والمذيع واقف على بابا الاستديو ينتظر الفرج. اما عندما ينهمر المطر في فصل الشتاء فالمراسل عادةً يخبىء النشرة تحت معطفه خوفاً عليها من البلل.                                                                

اما ماحصل في ذلك اليوم فهو الآتي:-                                                          

  كنتُ انتظر نشرة اخبار الساعة الثامنة مساءً...وقد كان لهذه النشرة اهمية خاصة لانها نشرة شاملة تبدأ بالأخبار الرسمية المهمة وقرارات الدولة وقيادتها وتنتهي بالأنباء الجوية...واخيراً الرياضية وتستطيع ان تقول انها كانت النشرة الرئيسية آنذاك...والذي حصل كان الوقت قد ادركني وانا انتظر الاخبار بفارغ الصبر...ومن بعيد...لمحت المراسل مسرعاً وحالهُ لا تسر لا عدو ولا صديق...ملابسهُ ونشرتهُ التي يحملها في حالة مزرية فالاوحال تغطي معظم صفحاتها. والبلل يكاد يمحي حروفها وكلماتها...اذ إن مراسلنا المسكين لسوء حظه وحظي كان قد        تدحرج وسقط ارضاً في ماء المطر والاوحال...لقد اصبت بالدوار وانا استلم منه هذه النشرة البائسة...وليس هناك وقت للتفكير فقد بدأ رنين دقات الساعة يسد الآذان...ولقد زلزل ذلك الرنين كياني...اذ كيف سأستطيع ان اقرأ هذه النشرة !...وعرض علي زميلي ان يجلس معي في الاستديو ليقوم على الاقل بمسح الصفحات من الوحل...ولكنني رفضتُ...فلم أشأ ان يتشتت تفكيري وتركيزي...فشكرت زميلي واغلقتُ علي باب الاستديو المزدوج...ورسمت علامة الصليب على وجهي ودعوت من أعماق قلبي العذراء مريم ان تكون معي في هذه المحنة.        

وبدأت افرز اوراق النشرة بحذر شديد حتى لا تتمزق...قدمت النشرة وخلال أشارة الاخبار الموسيقية أستطعت ان اطلع على الموجز...وبعد ان قرأت الموجز أخذت امسح الصفحات بمنديل الواحدة بعد الاخرى من الوحل واقرأ خبراً بعد آخر... وكان اللـه معي فقد أخذت أضيف كلمات من عندي لتنسجم مع سياق الخبر عندما لا أستطيع رؤية بعض الكلمات التي محاها الماء... ولقد مرت الحادثة بسلام...ولم اكن اصدق نفسي...وعندها رفعت رأسي لاول مرة لأشاهد مجموعة الفنيين والمذيعين عبر المنفذ الزجاجي الكبير الذي يفصل بين "الكنترول" اي الرقابة الرئيسية والاستديو...كان الجميع قد حبسوا انفاسهم متعاطفين معي في تلك اللحظة الحرجة والذي اعانني فيها اللــه والعذراء مريم على تجاوزها بسلام بحمده تعالى...ولكن هذه الحادثة انطبعت في ذاكرتي لأنها هزتني هزة لا احسد عليها...والى اللقاء في حلقات اخرى مما تسعفني به الذاكرة من مشواري في الأذاعة و التلفزيون.                                                           

  كلادس يوسف