Jan 22, 2007
 

عمود النار، عمود الحق

الى المؤمنين الكاثوليك في كل مكان:

دونكم الترجمة العربية لكتيب صغير الّفته جمعية تدعم الايمان الكاثوليكي ضد تعاليم الكنائس الاخرى التي تطعن في ايمان ومعتقدات الكنيسة الكاثوليكية، وخاصة اولئك التي تستغل طيبة المؤمنين الكاثوليك وبساطتهم. لقد تم طبع (5 مليون) نسخة من هذا الكتيب لحد الان وهو يشرح اركان الايمان الكاثوليكي باسلوب مبسط. لهذا السبب ارتأينا ترجمته ليكون في متناول الجميع، من اجل ارجاع معلوماتهم وشحن هممهم كي يكونوا اكثر التزاما في حياتهم المسيحية.                                              

القس فيليكس الشابـي ـ كاليفورنيا

_______

المختصرات

ك.م = الكتاب المقدس

ك.ت.م. = كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية

* * *  * * *  * * *

"عمود النار، عمود الحق"

سواء كنت كاثوليكيا ام لا، سيكون لديك أسئلة حول الإيـمان الـكاثوليكي. ربّما تكون قد سـمعت بالتحديات ضد الكنيسة الكاثوليكية، تلك التحديات التي تدعي بان الكنيسة هي مفِّسرة وحامية تعاليم يسوع المسيح. بعض هذه التحديات تأتي من المبشّرين الذين ينتقلون من بابٍ الـى باب سائلين: "أأنت مُخلَََََََّص؟"، ومن ضغط مشابه يـحثّك على  إهمال تعاليم الكنيسة، ومن الثقافة العلمانية التي تـهمس بان "اللـه غير موجود". لذا لا يـمكنك التعامل مع هذه التحديات مالم تفهم اُسس الإيمان الكاثوليكي. التي يقدّمهـا لك هذا الكتيب.

في الايـمان الكاثوليكي سوف تـجد أجوبة على اسئلة حياتية محيرة: لِماذا أنا هنا؟ من خلقني؟ بـماذا ينبغي علي أن أؤمن؟ كيف يجب ان أتصرّف؟ كل هذه الأسئلة يمكن الاجابة عنها بمجرّد أن تنفتح نفسك الى نعمة اللـه، وان تعود إلى الكنيسة التي قد أسّسها، وتَتّبع خطته الموضوعة لك (يوحنا 7: 17).                 

تاريخ متواصل

قال يسوع بأنّ كنيسته ستكون "نور العالم".  ثمّ اشار الى انه "لا تـخفى مدينة على جبل" (متى 14:5) هذا يعني بأن كنيسته هي مؤسسة منظورة. ولا بدّ أن تكون لـها خصائص تنفرد بـها بشكل واضح وتميزّها عن باقي الكنائس. وعد يسوع "سأبني كنيستي و ابواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16 ) هذا يعني بأنّ كنيسته لن يحيق بـها الدمار ابدا ولن تسقط من امام عينيه ولو للحظة واحدة. ان كنيسته ستبقى صامدة من بين كل الكنائس المسيحية حتى عودته. فان الكنيسة الكاثوليكية وهي وحدها التي وجِدَتْ منذ زمن يسوع. اما باقي الكنائس المسيحية الأخرى فقد انبثقت من الكنيسة الكاثوليكية. لقد إنفصلت الكنائس الشرقية الأرثدوكسية عن الوحدة مع البابا في عام 1054. والكنائس البروتستانتية تأسّست أثناء الإصلاح، الذي بدأ في عام 1517. الكنيسة الكاثوليكية  هي الوحيدة الموجودة سواء منذ القرن العاشر، او منذ القرن الخامس، او حتى القرن الأول، معلّمة بإخلاص التعاليم  ألمعطاة من المسيح إلى الرسل من دون حذف أي شيء. كما انه من الممكن الرجوع وتعقب السلالة الباباوية الغير منقطعة، وصولا إلى القديس بطرس نفسه. وهذا ما  تنفرد به الكنيسة الكاثوليكية عن أيّ مؤسسة أخرى في التأريخ.

إن أقدم الحكومات تعُتبر حديثة  العهد مقارنة  بالبابويّة، والكنائس التي ترسل مبشّرين يطرقون الابواب هي فتية اذا ما قارنّاها بالكنيسة  الكاثوليكية. العديد من هذه الكنائس قد ظهرت الى الوجود مؤخرا، اي في القرن 19 أو 20. حتى أن بعضها بدأ أثناء فترة حياتك. ولا يسع أي منها ان تزعم بأنّها كنيسة مؤسسة من قبل يسوع. الكنيسة الكاثوليكية وُجدت منذ ما يقارب 2000 سنة، واستمرت صامدة على الرغم من معارضة العالم المستمرة لـها. وهذه تعتبر شهادة لأصل الكنيسة الالـهي.

                                      

لذا لابدّ لها أن تكون اكثر من مجرد منظمة إنسانية، مع الاخذ بعين الاعتبار أنّ أعضاءَها هم من البشر، بضمنهم بعض زعمائها، الذين كانوا غير حكيمين، أو حتى عرضة للهرطقة. ان أي منظمة إنسانية بـحتة لديها أعضاء بـمثل هذه المواصفات كان لابد لها ان تنهار مبكراً في حين إنّ الكنيسة الكاثوليكية اليوم هي الكنيسة الأكثر نشاطا في العالم. (وهي الأكثرعددا 1.2 مليار مؤمن: أي سُدس سكان العالم)، وهذه شهادة لا يعود سببها الى فطنة زعماء الكنيسة وحدها، بل الى حـماية الروح القدس لها.                                

 

أربع علامات للكنيسة الحقيقية

إذا ما أردنا أن نعثر على الكنيسة التي  أسّسها يسوع، فعلينا ان نجد تلك التي تمتلك اربع علامات او مواصفات رئيسية تتميز بـها وهي واحدة، مقدّسة، كاثوليكية، ورسولية.                            

 

1 ـ الكنيسة هي واحدة (رومية 12: 5، 1) (قورنثية 10 :17، 12 :13) (ك.ت.م. 813 -822)

لقد أسّس يسوع كنيسة واحدة فقط، وليس مجموعة كنائس مختلفة ( لوثرية، معمدانية، أنكليكانية ...الخ). يقول الكتاب المقدس: "الكنيسة هي عروس المسيح" (إفسس 5: 23-32). وليسوع زوجة واحدة لاغير، وهذه الزوجة هي الكنيسة الكاثوليكية. كما ان كنيسته ايضا تعلّم صيغة واحدة فقط من العقائد الدينية، التي يجب أن تكون نفس تلك التي علّمها الرُسل (يهوذا 3). هذه هي وحدة الإيمان التي يدعونا اليها الكتاب المقدّس (فيلبي 1: 27، 2:2). وعلى الرغم من أنّ بعض الكاثوليك لا يتفقون مع العقائد التي تعلّم رسميا، فانّ معلمي الكنيسة الرسميّين، البابا والأساقفة متّحدون معه، لم  يغيّروا على الاطلاق أي تعليم. وكون هذه العقائد قد فحصت عبر القرون اكثر فاكثر، فان الكنيسة الان تَـفهمها بعمق أكبر (يوحنا 16: 12-13)، الا انّها لا تفسّر على الاطلاق تلك المباديء بشكل يناقض ما كانت تعنيه منذ البداية.                     

 

2 ـ الكنيسة هي مقدّسة (أفسس 5: 25-27) (رؤيا 19: 7-8) (ك.ت.م. 823 -829)

ان يسوع يجعل الكنيسة مقدسة بنعمته، على مثاله لأنه هو قدوس. الا ان هذا لا يعني أنّ كلّ عضو فيها هو دائما قديس. لقد قال سوع  بانه سيكون هناك أعضاء صالحون وآخرون طالحون في الكنيسة (يوحنا 6: 70)، ولن يذهب كلّ الأعضاء إلى الجنّة (متى 7: 21-23). الا أن الكنيسة بذاتـها هي مقدّسة لأنـها هي مصدر القداسة وهي حارسة قيم النعمة الخاصة التي اسّسها يسوع، أي الأسرار (أفسس 5: 26).                                                            

 

3 ـ الكنيسة هي كاثوليكية (متى 28: 19-20) (رؤيا 5: 9-10) (ك.ت.م. 830 -856)

كنيسة يسوع تدعى كاثوليكية ("شاملة" باللغة اليونانية) لأنـها هديته إلى كل الناس. اذ قال لرُسلِه بأن يذهبوا الى كافـة أنـحاء العالم ويتـلمذوا "كل الأمم" (متى 28: 19-20). على مدى 2.000 سنة حـملت الكنيسة الكاثوليكية  هذه الرسالة، واعظةً البشرى السارة بأنّ المسيح مات من أجل كلّ البشر وبأنّه ُيريدنا جـميعاً أن نكون  أعضاءً في عائلته الشاملة (غلاطية 3: 28). ان الكنيسة الكاثوليكية تتواجد في ايامنا هذه في كلّ بلد من بلدان العالم وهي لا تزال ترسل  مبشّرين لـ" يتلمذوا جـميع الأمم" (متى 28: 19). الكنيسة التي أسسها يسوع  عُرفت بلقبها المعروف، "الكنيسة الكاثوليكية"، منذ سنة 107 على اقل تقدير، عندما إستعمل إغناطيوس ألانطاكي هذا اللقب لوصف الكنيسة التي أسسها يسوع. التسمية كانت قديـمة الاستعمال زمن إغناطيوس على ما يبدو، ما يعني أنه من المحتمل أنها تعود في الاصل إلى زمن الرُسل.                                                                

 

4- الكنيسة هي رسوليّة (أفسس 2: 19-20)، (ك.ت.م. 857 -865)

إنّ الكنيسة التي أسسها يسوع هي رسوليّة لأنه عيّن الرسل ليكونوا هم قادة الكنيسة الاوائل، ويكون خلفاؤهم زعماؤها المستقبليون. لقد كان الرسل هم الأساقفة  الأوائل، ومنذ القرن الأول، كان هناك خطٌ متواصلٌ من الأساقفة الكاثوليك يسلّمون بكل إخلاص مـا علّمه الرُسل للمسيحيين الأوائل في الكتاب المقدس والتقليد الشفهي (2طيموثاوس 2:2). تتضمّن هذه التعاليم الايـمانية: قيامة يسوع بالجسد، الحضور الـحقيقي ليسوع في القربان الـمقدس، طبيعة القداس كونه ذبيحة الهية، غفران الخطايا عن طريق كاهن، الولادة الثانية بالعماذ، وجود الـمطهر، دور مريم الخاص، وغيرها كثير، حتى عقيدة الخلافة الرسولية نفسها. تثبت الكتابات المسيحية المبكرة بأن المسيحيين الأوائل كانوا كاثوليكاً بالايـمان والواقع، وكانوا ينظرون إلى خلفاء الرسل على انهم قادتـهم. ولا تزال الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بـما آمَنَ به  هؤلاء المسيحيون الأوائل. ولاتستطيع أي كنيسة أخرى أن تدّعي هذا الأدعاء.        

 

عمود النار، عمود الحق

لا يمكن  أن  يُعزى هذا الى ابداع البشر. لقد بقيت الكنيسة واحدة، مقدّسة، كاثوليكية، ورسولية، ليس بـجهد البشر، بل لأن اللـه يصون كنيسة ألتي أسّسها هو (متى 16 :18, 28 :20).            

لقد قاد اللـه بني إسرائيل عند هروبـهم من مصر بإعطائهم عموداً من النار لإضاءة طريقهم عبر البريّة المظلمة (خروج 13 :21). واليوم يقودنا بواسطة كنيسته الكاثوليكية. الكتاب المقدس، والتقليد المقدّس، وكتابات المسيحيين الأوائل كلها تشهد بأنّ الكنيسة  تُعلّم بسُلطان يسوع. في هذا العصر الذي تتنافس فيه اديان لا تحصى، وكلّ منهّا  يحاول جذب الإنتباه، يعلو صوت واحد فوق الضجيج: الكنيسة الكاثوليكية، التي يسمّيها الكتاب المقدس "عمود الحق واساسه" (1 طيموثاوس 3: 15). لقد اكد يسوع للرسل ولخلفائهم من الباباوات والأساقفة، "من سمع اليكم سمع اليَّ، ومن رفضكم رفضني" (لوقا 10: 16). لقد وعد يسوع بان يقود كنيسته الى ملء الحق (يوحنا 16: 12-13). لذا فانه بامكاننا أن نثق بأن كنيسته تعلّم الحقيقة وحدها.                                               

 

هيكلية وتركيبة الكنيسة

لقد إختار يسوع الرسل ليكونوا قادة الكنيسة الأرضيين. وأعطاهم سلطته كي يعّلموا ويـحكموا، ليس بدكتاتورية، بل كرعاة وآباء مـحبّين. لـهذا السبب ينادي الكاثوليك قادتـهم الروحيـين "أَبونا". واذ نعمل هذا فاننا نتّبع مثال بولس: "لاني أصبحتُ أباكم بيسوع المسيح من خلال البشارة بالانجيل" (1 قورنثية 4: 15). اتماما لوصية يسوع، قام الرسل برِسامة أساقفة وكهنة وشمامسة، وهكذا سلّموا خدمتهم الرسولية إليهم، الدرجة الاعلى للرسامة هي الأسقفية، ثم الكهنوتية ثم الشماسية.                                      

 

 

البابا والأساقفة (ك. ت. م. 880 -883)

لقد أعطى يسوع لبطرس سلطة خاصّة من بين الرسل (يوحنا 21: 15-17) ولهذا غير اسـمه من سـمعان إلى بطرس، ومعناه "صخرة" (يوحنا 1: 42). اذ قال بان بطرس سيصبح هو الصخرة التي سيـبني عليها كنيسته (متى 16: 18). في الآرامية، لغة يسوع، كان اسم سمعان هو "كيفا" (ويعني صخرة هائلة). لقد ترجم هذا الاسم فيما بعد إلى اليونانية ليصبح "بطرس" (يوحنا 1: 42) وفي الإنكليزية صار "بيتر". لقد أعطى المسيح الى بطرس وحدهُ "مفاتيح الملكوت" (متى 16: 19) ووعد بأنّ قرارات بطرس ستطبق في الجنة. كما أعطى ايضا سلطة مشابـهة للرسل الآخرين (متى 18:18)، ولكن لبطرس وحده أُعطيت المفاتيح، رمزا لسلطته كي يحكم الكنيسة التي على الأرض في غياب يسوع.                               

ان المسيح، الراعي الصالح، دعا بطرس أن يكون الراعي الرئيسي لكنيسته (يوحنا 21: 15-17). اذ أعطى لبطرس مهمّة تقوية الرسل الآخرين في إيمانـهم، ضامناً بأنهم علّموا فقط ما كان صحيحا (لوقا 22: 31-32). هكذا قاد بطرس الكنيسة بإعلان بشرى الإنجيل وإتّخاذ القرارات (أعمال 2: 1– 41, 15: 7-12). تخبرنا الكتابات المسيحية المبكرة بأنّ خلفاء بطرس اي البابوات وهم أساقفة روما (لقب "بابا" يعني "ألاب")، واصلوا مـمارسة  مهام بطرس في الكنيسة. إنّ البابا هو خليفة بطرس كأسقف روما. في حين إنّ ألاساقفة الآخرين في شتى انحاء العالم هم خلفاء الرسل بالعموم.                                                              

 

 كيف يتكلّم اللـه معنا

كما في البدء، فان اللـه يتكلّم مع كنيسته من خلال الكتاب المقدس والتقليد المقدّس. وليضمن أننا نفهمه، فهو يوجه سلطة التعليم في الكنيسة حتى تُفسّر الكتاب المقدس والتقليد بدقّة وعلى الدوام. هذه هي ميزة العصمة البابوية. مثل ركائز المقعد الثلاثة، الكتاب المقدس، التقليد وسُلطة الكنيسة التعليمية، فكلّها ضرورية لإستقرار الكنيسة ولضمان تعليم عقائدي صحيح.                     

 

التقليد المقدّس (ك. ت. م. 75-83)

لا ينبغي أن يكون التقليد المقدّس مشوشا بـ "تقاليد بشرية" مجردة، والتي تُعرف بالعادات أو التقاليد. لقد أدان يسوع أحياناً العادات والتقاليد، ولكن تلك التي كانت تتعارض مع وصايا اللـه فقط (مرقس 7 :8). لم يُدِنْ يسوع قط التقليد المقدّس، كما انه لم يُدِنْ التقاليد البشريّة باجـمعها. ان التقليد المقدّس والكتاب المقدس ليسا مختلفين او رؤىً متنافسة. بل هما الطريقتان اللتان تستعملهما الكنيسة لتسلّم لنا الإنجيل. انّ التعاليم الرسولية مثل الثالوث الاقدس، معموذية الاطفال، عصمة الكتاب المقدس، المطهر، ومريم الدائمة البتولية، قد تم تعليمها بوضوح جلي بواسطة التقليد، رغم أنـها كلها موجودة ضمنياً في الكتاب المقدس (ولا تناقضه). الكتاب المقدس نفسه يخبرنا بأن نتمسّك بوضوح بالتقليد، سواء أتى إلينا بشكل مكتوب أم شفهي (2 تسالونيقي 2 :15، 1 قورنثية 11 :2). لا ينبغي أن يُشوش التقليد المقدّس بالعادات والتقاليد، مثل المسبحة، او عزوبيّة الكهنة، وعدم أكل اللحم في جُمع الصوم الكبير. هذه الأشياء جيّدة ومُساعدة، لكنها ليست عقائد. ان التقليد المقدّس يحافظ على العقائد التي علّمها أولاً يسوع للرسل ومن ثم اوصلت إلينا من خلال خلفاء الرسل، الأساقفة.                        

 

الاسفار المقدسة (ك. ت. م. 101-141)

نعني بالاسفار المقدسة العهدين القديم والجديد، التي أُلِهمَت من اللـه (طيموثاوس. 3:16). لقد الهم الروح القدس مؤلفي الاسفار المقدسة ان يكتبوا ما أراده هو. فبما انّ اللـه هو المؤلف الرئيسي للاسفار المقدسة ، ولانه هو الحقيقة بنفسه (يوحنا 14:6) ولا يمكن ان يعلم أيّ شيء غير صحيح، فأن الاسفار المقدسة خالية من الخطأ في كلّ شيء تقوله. يدّعي بعض المسيحيين بأنّ "الكتاب المقدس هو كلّ ما أحتاج اليه"، ولكن هذه الفكرة لا يشير اليها الكتاب المقدس نفسه. ففي الحقيقة، ان الكتاب المقدس يعلّم فكرة معاكسة (2 بطرس 1: 20-21) (3: 15-16). ان نظرية "الكتاب المقدس فقط" لم يؤمن بـها أي شخص في الكنيسة الاولى. فهذه النظرية هي حديثة العهد كونها ظهرت أثناء الإصلاح البروتستانتي في القرن 16. وهي "تقليد بشري" يبطل كلمة اللـه، ويحرّف دور الكتاب المقدس الحقيقي، ويقوّض سلطة الكنيسة التي أسسها يسوع (مرقس7: 1-8).   

                                                       

واذا كانت هذه النظرية اكتسبت شعبيّة كبيرة بين كنائس "مسيحّيو الكتاب المقدس"، لكنها ببساطة غير ناجحة عملياً. فالتجربة التأريخية تفنّدها. وفي كلّ سنة نرى إنشقاقا إضافيا بين شيع "مؤمنو الكتاب المقدس".      

اليوم توجد آلاف من الطوائف المتنافسة، وكلّ واحدة منها تصّر بأنّ تفسيرها للكتاب المقدس هو الاصح. لقد سبّبت هذه الإنقسامات تشويشا لا يوصف بين ملايين المسيحيين ألصادقين وألمقادين بصورة غير صحيحة. كلُ واحدة من هذه الطوائف تدّعي بأنها تتبع "الكتاب المقدس فقط"، ولكن حتى أثنتين منهما لا تتفقان تماما على ما يعنيه الكتاب المقدس. اننا متأكّدون من ان: الروح القدس لا يمكن أن يكون من وراء هذا التشويش (1 قورنثية 14 :33). ومن غير الممكن ان يقودنا اللـه إلى اعتقادات متناقضة خاصة وان حقيقته هي واحدة.                                                     

نستنتج: ان نظرية "الكتاب المقدس فقط، لا غير" هي باطلة.       

 

سلطة التعليم الكنسي (ك. ت. م. 85 -87، 888 -892)

يؤلف البابا مع الأساقفة سلطة التعليم الكنسية العليا، وهي تسمى "ماجستيروم" من الاصل اللاتيني لكلمة "معلم". دورسلطة التعليم الكنسي هو الاُرشاد والحماية من الخطأ بقوة الروح القدس، وهي تُعطينا الجواب اليقين في أمور تخص العقيدة. إنّ الكنيسة هي حارسة الانجيل، وهي تعلن رسالته بكل اخلاص ودقّة، وهذه هي المهمّة التي اوكلها اللـه لها لتعملها. إنّ الكنيسة كانت موجودة قبل ان يكتب العهد الجديد، وكما نعلم بانه لم يكن هناك من عهد جديد قبل الكنيسة. هكذا فقد ألّفَ كُتبَ العهد الجديد أعضاء في الكنيسة ُملهمون من قبل اللـه، بالضبط كما هو الحال مع كتّاب العهد القديم الملهمين من اللـه، اضافة الى ان الكنيسة مقادة من الروح القدس لكي تحرس وتفسر الكتاب المقدّس بكامله، بكلا عهديه القديم والجديد. ان وجود مفسر رسمي يعتبر شيئا ضروريا جدا خاصة اذا ما أردنا أن نفهم الانجيل بشكل صحيح. (فكلنا يعرف ما يقوله الدستور، لكنّنا نحتاج الى المحكمة العليا لتفسر لنا معناه).ان سلطة الكنيسة تصبح معصومة (من الخطأ) عندما تعطي تعليما رسمياً. لأن يسوع وعد بان يرسل الروح القدس ليقود الرسل وخلفاءَهم "الى الحق كله" (يوحنا 16: 12-13).                                 

 

كيف يوزّع اللـه مواهبه

لقد وعدنا يسوع بألا يتركنا أيتاما (يوحنا 14 :18) بل انه سيرسل الروح القدس ليقودنا ويحمينا (يوحنا 15 :26). أعطانا الأسرار ليشفينا، ويغذينا، ويقوّينا. وهذه هي أسرار الكنيسة السبعة: المعمودية، التثبيت، التوبة، القربان المقدس، الزواج، الكهنوت، ومسحة المرضى. الاسرارليست رموز، و أنـما هي إشارات وعلامات تنقل لنا نعمة اللـه ومحبّته.

الأسرار أنذرت في العهد القديم بأشياء ولم تنقل النعمة بل مثّلتها كرموز فقط (الختان على سبيل المثال كان يشير الى المعمودية، ووجبة طعام عيد الفصح كانت تشير الى القربان المقدس). عندما جاء السيد المسيح، لم يتخلّص من رموز نعمة اللـه. وإنما جعلها فائقة الطبيعة، اذ قوّاها بالنعمة وجعلها أكثر من مجرد رموز. ان اللـه يستعمل على الدوام أشياءً ماديةً ليرينا حبّه وقوّته. وفي نهاية المطاف فان المادة ليست بشريرة. فعندما خلق اللـه الكون المحسوس، كان كل ما خلقه اللـه "حسنا" (تكوين 1: 31). لقد أفرحه هذا الأمر لدرجة أنه كرّمه من خلال تجسّده بذاته (يوحنا 1:14).  اي انه بارك المادة بتجسده.  

                                                                   

أثناء رسالته على الأرض فان يسوع أشفى وغذى وقوّى الناس من خلال مواد متواضعة مثل الطين والماء والخبز والزيت والخمر. كان بامكانه أن يجري معجزاته مباشرة، لكنّه فضّل إستعمال ألاشياء المادية ليمنح نعمته من خلالها. في معجزته العلنية الأولى، حوّل يسوع الماء إلى خمر، بناء على طلب أمّه مريم (يوحنا 2 :1-11). كما انه أشفى رجلاً أعمىً بطلاء الطين على عينيه (يوحنا 9: 1-7). قام بتكثير بضعة أرغفة خبز وبضع سمكات الى وجبة لاطعام الآلاف (يوحنا 6 :5-13). كما حوّل الخبز والخمر الى جسده ودمّه (متى 26:26– 28). وعن طريق الاسرار يواصل يسوع شفاءنا وتغذيتنا وتقويتنا.                      

      

 

1- سر العماذ: (ك. ت. م. 1213 -1284)

بسبب الخطيئة الأصلية، فقد ولدنا دون وجود النعمة في نفوسنا، لذا فلا توجد لنا اي طريقة لنتبع اللـه بواسطتها. لقد أصبح يسوع انسانا ليعيدنا الى الوحدة مع أبيه. اذ قال "ما من احد يمكنه ان يدخل الى ملكوت اللـه الا اذا ولد من الماء والروح" (يوحنا 3: 5) وهذا يشير إلى العماذ. فمن خلال المعمودية نولد ثانية، ولادة روحية لا جسدية. فاننا مغسولون في حـمام الميلاد الثاني (طيطس 3 :5 ). فنحن معمّدون في موت المسيح وبـهذا نشارك في قيامته (رومية 6 :3-7). العماذ يطهّرنا من الخطايا ويجلب الروح القدس ونعمته الى نفوسنا (أعمال 2: 38، 22 :16). ولعل الرسول بطرس هو اكثر صراحة من الكلّ اذ يقول: "المعمودية هي تنجيكم الآن" (1بطرس 3: 21). فالمعمودية هي الباب الذي يقودنا الى الكنيسة.                                                                       

 

2- سر التثبيت: (ك.ت.م. 1285 -1321)

ان  اللـه يقوّي انفسنا بطريقة اخرى، من خلال سر التثبيت. فعلى الرغم من أنّ تلاميذ يسوع قد نالوا النعمة قبل قيامته، ففي يوم الفنطيقسطي (حلول الروح القدس او عيد العنصرة) جاءهم الروح القدس ليقويهم بنعم جديدة بسبب العمل الصعب القادم أمامهم. اذ انطلقوا الى الخارج ووعظوا الإنجيل بلا خوف ونفذوا الرسالة التي أوكلها لهم المسيح. بعد ذلك، وضعوا ايديهم على اخرين من اجل تقويتهم أيضاً (أعمال 8:14 -17). من خلال سر التثبيت تتقوون انتم أيضا لمواجهة التحديات الروحية في حياتكم.          

 

3- سرالتوبة: ك. ت. م. (1422-1498)

أحيانا واثناء رحلتنا نحو ارض الميعاد السماوية فاننا نتعثّر ونسقط في الخطيئة. واللـه مستعدّ دائما لانتشالنا ولإعادتنا إلى تباعته المليئة نعمة. انه يقوم بهذا من خلال سر التوبة (الاعتراف او سر المصالحة). لقد اعطى يسوع الى رسله سلطة مغفرة الخطايا عندما نفخ فيهم وقال، "خذوا الروح القدس. من غفرتم لهم ذنوبهم تُغفر، ومن امسكتم عليهم ذنوبـهم تمسك" (يوحنا 20 :22-23). يشير بولص الرسول الى ان "هذا كله من اللـه، الذي صالحنا بالمسيح وأعطانا خدمة المصالحة... فنحن سفراء في سبيل المسيح، كأنّ اللـه يعض بألسنتنا "(2 قورنثية 5 :18-20). هكذا فمن خلال الإعتراف إلى الكاهن، خادم اللـه، تُغفر ذنوبنا، ونستلم نعمة لتساعدنا على مقاومة اغراءات المستقبل.              

            

4- سر القربان المقدس: (ك. ت. م. 1322 -1419)

متى ما اصبحنا أفرادا في عائلة المسيح، فهو لا يدعنا نذهب جياعا، بل يغذّينا بجسده ودمه من خلال القربان المقدس. في العهد القديم، وبينما إستعدّ اليهود لرحلتهم في البريّة، أمرهم اللـه بالتضحية بـحـَمَلٍ وبرشّ دمه على اعمدة أبوابـهم، حتى يتجاوز ملاك الموت من أمام بيوتهم. ثمّ أكلوا الحمل كي يطمغوا ويثبتوا عهدهم مع اللـه.

                                                            

هذا الحمل كان صورة ليسوع. لانه هو "حمل اللـه الحقيقي" الذي يمحو خطايا العالم (يوحنا 1: 29). بيسوع ندخل ميثاقأ جديدا مع اللـه (لوقا 22 :20)، لانه يقينـا من الموت الأبدي. أكل شعبُ اللـه في العهد القديم حمل عيد الفصح، فيجب علينا الآن أن نأكل الحمل الذي هو القربان المقدس . قال يسوع: "اذا لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فلن تكون فيكم الحياة" (يو 53:6). 

                                                       

في العشاء الأخير أخذ خبزاً وخمرا وقال، "خذوا كلوا هذا هو جسدي . . . هذا هو دمّي الذي سيهرق عنكم" (مرقس 14: 22-24). بهذه الطريقة اسس  يسوع سر القربان المقدس، الوليمة القربانية التي يقترب اليها الكاثوليك في كلّ قدّاس. 

                    

تعلّم الكنيسة الكاثوليكية بأن ذبيحة المسيح على الصليب حدثت "مرّة واحدة" ولا يمكن تكرارها (عبرانيين 9: 28). ان المسيح لا "يموت ثانية" أثناء القداس، ولكن نفس الذبيحة عينها التي تمت على الجلجثة تُقام على المذبح. ولهذا السبب فأن القداس ليس ذبيحة "أخرى"، بل مشاركة في نفس ذبيحة المسيح، مرة واحدة فقط وعلى الصليب. يذكّرنا بولس بأن الخبز والخمر يصبحان حقاً (بـمعجزة ونعمة اللـه) جسد ودمّ يسوع الحقيقي: "فمن أكل وشرب دون ان  يراعي جسد الرب، يأكل ويشرب الحكم على نفسه" (1 قورنثية  11: 27-29). بعد تقديس الخبز والخمر، لايبقى خمرٌ أو خبزٌ على المذبح. وأنما يبقى يسوع نفسه، تحت شكلي الخبز والخمر.