March 06, 2007
مدخل الصوم الكبير 18 شباط 2007 ... مدلول الصوم

الأب بولس خمي
-1
نحن مدعوون دوماً وابداً الى التأمل في هدف الصوم
وابعاده ... انه زمن مكرس للصلاة والتأمل، وااقتسام
الخيرات ومراجعة الحياة. بهذا الروح يجب ان نستقبل
الصوم. ونحن احوج اليه اليوم من اي وقت آخر، ومن يعلم
أن هذا الصوم قد يكون الأخير من حياتنا الارضية لكي
تحل علينا بركات الرب وأنعامه، مُبعداً عن الشعب
المسيحي كل سوء وأذية. فالصوم والصلاة تؤآمان لا
ينفصلان. فالذي يصوم، فمدلوله انه يصلي. والرب يسوع لا
يفصل الصوم عن الصلاة، اذ قال في متى "ان هذا الجنس لا
يخرج إلا بالصلاة والصوم" . (متى 17: 21)
-2ان
الروح و الجسد يشتركان في عمل روحي واحد. لقد اختلى
يسوع في البرية وصام، وكان صيامه صلاة مستمرة لأربعين
نهاراً وأربعين ليلة وجاع (متى 4: 2– 10) ، فجربه
الشيطان ثلاثاً. كما كان قد تعّود سابقاً وجرب حواّء،
وهو الملاك الساقط وليس رمزاً، بل هو موجود حقيقة،
ويحاول ان يجرب كل واحد منا، فهناك من ينتصر عليه مثل
يسوع وهناك مِمَن ينساق الى ارشاداته ويسقط ويُحبط
مقاصد اللـه في حياته كما هو الحال عندنا. إن التجربة
في حدِّ ذاتها ليست خطيئة، لكن الاستسلام لها هو
العصيان على اللـه. فقد اراد الشيطان في التجربة
الاولى ان يُغريه في الملذات الجسدية لان يسوع لم يشأ
ان يستخدم قوته الالهية لاشباع حاجة الطبيعة للطعام.
وفي الثانية بالممتلكات الارضية والسلطة المدنية. وفي
الثالثة في الكبرياء (تثنية 6: 13).
-3
ان الرب يسوع قد ردّ رداً حاسماً على الشيطان في
التجربة الاولى، وقد صرعه حينما قال ليس بالخبز وحده
يحيا الانسان، بل بكل كلمة تخرج من فم اللـه ... في
هذه الاثناء كان على الشيطان ان يغور في شقوق الارض،
ولكن بما انه شيطان ولا يخزى، عاود ثانية فأوقف يسوع
على حافة سطح الهيكل وقال له ان كنت ابن اللـه فاطرح
نفسك الى اسفل، لانه قد كُتِب، يوصي ملائكته وعلى
ايديها تحملك لئلا تصطدم بحجر رجلك، أجاب يسوع
(والشيطان يعرف ما قد جاء في الكتب) لا تجرب الرب
الهك، فاصطدم بالجواب السديد الذي أخرسه. وفي الثالثة
قال المجرب كل ممالك الدنيا لك اهبها ان خررت لي
ساجداً، حينئذ بلغ السيل الزبى عند هذه المطاولة،
فانتهره يسوع لاعناً إياه: اغرب عني ياشيطان، للـه ربك
تسجد وله وحده تعبد، فغاب وبئس المصير واذا ملائكة
جاءت فكانت تخدمه (متى 4: 11).
-4
ان الانسان الواعي قبل ان يقوم بعمل، سيّما ان كان
مهماً جداً، يصلي لينير اللـه حافظته لنجاح مشروعه
وكما يريده اللـه. فقد صام موسى 40 يوماً و40 ليلة في
جبل سيناء (خروج 34: 28) وفي نهاية صومه استلم من
اللـه الوصايا العشر. ويوحنا بن زكريا كان يتروض في
البرية بين الحيوانات المفترسة ليُهيئ نفسه لرسالته
العظيمة قبل ظهور الرب يسوع على ضفاف الاردن وباشر
رسالته السماوية باستدعاء الناس الى الاعتماد والتوبة
والاهتداء.
-5
ان الصوم هو ألحج مع يسوع في البرية، هو الحج لمعرفة
اللـه، معرفة الحق (يوحنا 8: 55)، ومعرفة يسوع المسيح
الذي ارسله اللـه. ان اللـه تعالى حبانا بمواهب عديدة
وزيننا بها وفي مقدمتها العقل، الذي يشكل قِمةَ
الانسان نسبةً الى قربه من اللـه وتشبهاً به، وهذا
وغيره من الحواس يجب استعمالها كلها لمجد اللـه، فان
سُخّرت لمجد اللـه، فهي ذاتياً تصوم وتصلي لخالقها،
بيد انها اذا استعملت على خلاف ذلك تكون بمثابة سلاح
يستخدم ضد اللـه. وهذا يدعى نكران الجميل واجحاف بحق
خالقها.
-6
ان الانسان بحاجة الى الصوم، وان جاع فليكن جوعه الى
اللـه وبر ملكوته، وبعدئذ هذه كلها تعطى وتزاد (لوقا
12: 31). قال الرب لا تبحثوا عن الخبز الفاني، ولكن
اسعوا اثر الخبز الذي يبقى ابداً (يوحنا 6: 27). ان
الابن الذي شطر مال
ابيه،
له ولأخيه، بدد ماله ولم يشعر بالجوع المادي، بل ببعده
عن اللـه. انه كاد يموت جوعاً، وهمّ بالعودة الى بيت
ابيه. ذاك كان جوعه الروحي الذي كاد يُميتُه روحياً
جراء انفصاله عن اللـه أبيه. ولكن بعودته استقبله ابوه
وقدم له كل ما مِن شأنه ان يعيده كأبن للملك بوضع خاتم
الملك باصبعه وحُلل الملوكية. والرب يقول ان عودة
خاطيء واحد تفرح به ملائكة السموات لانه كان ضائعاً
ومائتاً والان وَجَدَ اللـه في حياته وعاش (لوقا 15:
18). فعودته الى ضميره وادراك مصيره الابدي نداء لكل
واحد، وعلينا ان نعيد النظر في حالتنا الخاصة، لنُجدد
علاقتنا مع اللـه والهداية اليه. وهو في داخل وباطن
مَن يبحث عنه. الرب يسوع يقول: ان اللـه هو في داخلكم،
ويفرح بعودة خاطيء اكثر من 99 صديقاً (لوقا 15: 7). ان
مار بولس الرسول يقول لنا اليوم إلبسوا الانسان
الجديد، ابطلوا الكذب والسرقة وكل انواع الخطيئة. ان
الانسان بحقيقته وجوهره لا يُعرف إلا اذا أمتحُِنَ ...
ان يسوع جُرَّب وانتصر بالصوم والصلاة. وكان يعرف
لماذا هو صائم، فالاستمرار على الاعمال الصالحة هو صوم
مستمر وحج مع يسوع الى القفر للالتقاء بيسوع الذي
أحبنا وبذل نفسه عنا قرباناً وذبيحة روحية (يوحنا 3:
16).
-7 ان النبي اشعيا يصف لنا الصوم بابعاده النيّرة،
اللـه لا يرغب بصوم المشاجرة والخصومات، وبانحناء
الرقبة كالمحجل...والخ، يقول: كلا ليس هذا هو الصوم
الذي اردته، انما الصوم الذي اريده هو، ان تحّل قيود
الظلم وتفك مرابط النير (اشعيا 58). فالصوم والصلاة
يريد الرب ان يكونا على طراز جديد، لا كالمرائين الذين
يحبون الصلاة في المجامع ومفارق الطرق ليشاهدهم الناس.
ان الصلاة بمفهوم متى ألانجيلي هي عدم التكرار في
الألفاظ (متى 6: 5-7) ، بل ان تدخل مخدعك، وتغلق باب
غرفتك ونوافذ قلبك وعيونك، فتصلي لأبيك بالخفية.
الصلاة الحقة تكون في الخفاء، في الباطن، داخل قلب
الانسان، قافلاً كل حواسه مسخِّراً اياها للتحدث مع
اللـه والاصغاء الى توجيهاته. فان كان الصوم والصلاة
أمرين بهما نصالح اللـه فلا ننسى ان الصدقة هي
شريكتهما، لانها تستر جماً من الخطايا. أن الصدقة
واعمال الرحمة، هي الاخرى صلاة في مفهوم آخر، فهذه
وتلك كلها صلوات، الواحدة تكمل الاخرى. فكما ان
الايمان بدون الاعمال ميّت (يعقوب 5)، كذلك الصلوات
والكلمات الطيبة التي نلفظها دون تطبيق، كأن نقول
"واغفر لنا خطايانا" ونحن لا نغفر فهي باطلة.
-8 يجب ان نميز في الصوم الشيء الجوهري، اي ان
لا يكون بالامتناع عن الطعام فحسب بل ان يكون صوماً
بالروح، على حدّ قول آباء الكنيسة:
ܣܪܝܩܘ ܨܘܡܐ ܕܡܢ ܠܚܡܐ
ܐܢ
ܢܦ̮ܫܐ ܠܐ ܡܬܟܠܝܐ ܡܢ ܗܪܓܐ ܣܢܝܐ ܕܒܝܫܬܐ-
الصوم الطبيعي بدون الصوم الروحي باطل. وإلا فان كان
الصوم والصلاة عندنا بالالفاظ فقط، انذاك نسمع هذا
القول: ليس كل مَن يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت
السموات ...، اننا نسمع كثيرين يقولون "O
my God"
كلمة طيبة استرحامية في كثير من الحالات يكون قائلها
في موقف ضد اللـه. أفهل هذه هي صلاة؟ انه ليس كل من
يقول لي يا رب يا رب يدخل ...الخ، الصلاة هي عمل مشيئة
اللـه ليس الا.
-9 لقد صام الانبياء في زمانهم وصلى ايليا
وأوقف هطول الامطار ثلاث سنوات و6 اشهر (لوقا 4: 25)،
ثم صلى وعاود المطر ثانية. وصام موسى 40 يوماً و40
ليلة وجاء بالوصايا العشر من لدن اللـه ليطّبقها
الشعب. وصلى يسوع، وصام، وعلم تلاميذه الصلاة الربية
(متى 6: 9-13) و (لوقا 11: 2-4)،
ورفض صلاة المرائين، وصنع معجزات كثيرة، واقام الموتى
ومنهم لعازر، وشفى المرضى والمقعدين والمعتوهين، وكم
من لعازر بحاجة الى القيامة ومريضٍ ومقعدٍ بحاجة الى
الشفاء.
-10
وأذكِّر بشيء واحد إجمالاً، وهو ان اعمال الرحمة كلها
هي صلاة ناطقة. ومنها اطعام الجياع، وارواء العطشى،
وايواء الغرباء، واكساء العراة، وزيارة المرضى
والمسجونين (متى 25: 35). فالصائم والمصلي والمتصدق
أجرهم في السماء.
خلاصة القول: ان من يحفظ الشريعة، فقد سيطر على نفسه،
وهذا هو الصوم بعينه.
Copyright
©2002-2007